الشيخ محمد رشيد رضا

15

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ضال مضل . وقيل : الشهداء في قومكم توصفون فيهم بالعدل وتستشهدون في القضايا . ومن كان كذلك كان أقدر على الصد . وقال الأستاذ الامام : المعنى وأنتم شهداء على بقايا الكتاب وما يؤثر عن النبيين ؛ فكان من حقكم أن تكونوا أقرب الناس إلى معرفة هذه السبيل سبيل الحق والسبق إليها بالايمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ( وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) من هذا الصد وغيره فهو يجازيكم عليه . فالتذييل تهديد لهم ووعيد . وقد جاء بنفي الغفلة لأن صدهم عن الاسلام كان بضروب من المكايد والحيل الخفية التي لا تروج إلا على الغافل . كما ختم الآية السابقة بكونه شهيدا على عملهم ، لأن العمل الذي ذكر فيها هو الكفر وهو ظاهر مشهود ، فذكر في كل آية ما يناسب المقام . أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال « كانت الأوس والخزرج في الجاهلية بينهما شر ، فبيناهم جلوس ذكروا ما كان ) بينهم حتى غضبوا وقام بعضهم إلى بعض بالسلاح فنزلت ( وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ ) الآية والآيتان بعدها » . وأخرج ابن إسحاق وأبو الشيخ عن زيد ابن أسلم قال : مرّ شاس بن قيس - وكان يهوديا - على نفر من الأوس والخزرج يتحدثون ، فغاظه ما رأى من تآلفهم بعد العداوة . فأمر شابا معه من يهود أن يجلس بينهم فيذكرهم يوم بعاث ، ففعل ، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان : أوس بن قرظى من الأوس ، وجبار بن صخر من الخزرج ، فتقاولا ، وغضب الفريقان . وتواثبوا للقتال . فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجاء حتى وعظهم وأصلح بينهم ، فسمعوا وأطاعوا . فأنزل اللّه في أوس أو جبار ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) الآية . وفي شاس بن قيس ( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ ) الآية ، انتهى من لباب النقول للسيوطي . وأخرجه ابن جرير في التفسير مفصلا عن زيد بن أسلم ، قال : مرّ شاس بن قيس - وكان شيخا قد عتا في الجاهلية ، عظيم الكفر ، شديد الضّغن على المسلمين ، شديد الحسّد لهم - على نفر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من جماعهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الاسلام بعد الذي كان منهم من العداوة في الجاهلية ، فقال : قد اجتمع